بحث عن بحث

 

 طـلاق الهـازل والمكره (11-12)

 

مسألـة طلاق الهازل(1):

 

وصورة الهزل أن يلاعبها بالطلاق بأن تقول في معرض الدلال والاستهزاء: طلقني . فقال: طلقتك . فتطلق ؛ لأنه خاطبها قاصدا ًمختاراً .

لحديث ( ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَة )(2)

 

مسألـة طلاق المكره(3) :

جمهور العلماء أن المكره على الطلاق بغير حق لا يقع طلاقه ، واستدلوا بما يلي:

لحديث ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) (4) .

ولحديث (لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِي غَلاَقٍ) وقد فسر الإغلاق بالإكراه .

ولأنه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح كالمسلم إذا أُكره على كلمة الكفر.

 

ولا يصير مكرهاً إلا بثلاثة شروط :

(أحدها) أن يكون المكره قاهراً له لا يقدر على دفعه

(والثاني) أن يغلب على ظنه أن الذي يخافه من جهته يقع به

(والثالث) أن يكون ما يهدّده به مما يلحقه ضرر به كالقتل والقطع والضرب المبرح والحبس الطويل ونحوه.

وأما الضرب القليل في حق من لا يبالي به أو أخذ القليل من المال أو الحبس القليل فليس بإكراه.

وأما المكره بحق كالمولي إذا أكرهه الحاكم على الطلاق وقع طلاقه.

 

خلافاً للحنفية الذين يقولون بوقوع طلاق المكره قياساً على الهازل كما في حديث ( ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ )

فالمكره مختار في التكلم اختياراً كاملاً إلا أنه غير راض بالحكم ، وقد عرف الشرَّين فأختار أهونهما عليه . والهازل كذلك مختار في الكلام غير راضٍ به .

وأجابوا عن حديث (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) أنه من باب المقتضى ولا عموم له فلا يجوز تقدير الحكم الشامل لحكم الدنيا والآخرة ؛ بل إما حكم الدنيا وإما حكم الآخرة وقد انعقد الإجماع على أن المراد بالحديث المؤاخذة في الآخرة ، فلا يراد الآخر معه وهو المؤاخذة في الدنيا وإلا يلزم عمومه ، ولا يقول به أحد .

وأجابوا عن قياس المكره في الطلاق على المكره على الكفر ؛ بأن الردة تنبني على الاعتقاد وهو التكلم بخبر عن اعتقاده وقيام السيف على رأسه دليل ظاهر على أنه غير معتقد وأنه في إخباره كاذب . بخلاف المكره على الطلاق فهو مختار له قاصداً .

 

الراجح والله أعلم :

عدم وقوع طلاق المكره ، قال ابن القيم رحمه الله :[ والفرق بينه وبين الهازل ؛ أن الهازل قاصد للفظ غير مريد لحكمه، وذلك ليس إليه، فإنما إلى المكلف الأسباب، وأما ترتب مسبباتها وأحكامها، فهو إلى الشارع قصده المكلف أو لم يقصده، والعبرة بقصده السبب اختياراً في حال عقله وتكليفه، فإذا قصده، رتّب الشارع عليه حكمه جدَّ به أو هزل، وهذا بخلاف النائم والمبرسم، والمجنون والسكران وزائل العقل، فإنهم ليس لهم قصد صحيح، وليسوا مكلفين، فألفاظهم لغو بمنزلة ألفاظ الطفل الذي لا يعقل معناها، ولا يقصده.

وسر المسألة الفرق بين من قصد اللفظ، وهو عالم به ولم يرد حكمه، وبين من لم يقصد اللفظ ولم يعلم معناه، فالمراتب التي اعتبرها الشارع أربعة.

إحداها: أن يقصد الحكم ولا يتلفظ به.

الثانية: أن لا يقصد اللفظ ولا حكمه.

الثالثة : أن يقصد اللفظ دون حكمه.

الرابعة : أن يقصد اللفظ والحكم. فالأوليان لغو، والآخرتان معتبرتان. هذا الذي أستفيد من مجموع نصوصه وأحكامه، وعلى هذا فكلام المكره كله لغو لا عبرة به.

وقد دل القرآن على أن من أكره على التكلم بكلمة الكفر لا يكفر، ومن أكره على الإسلام لا يصير به مسلماً، ودلَّت السنة على أن الله سبحانه تجاوز عن المكره، فلم يؤاخذه بما أكره عليه، وهذا يراد به كلامه قطعاً، وأما أفعاله، ففيها تفصيل، فما أبيح منها بالإكراه فهو متجاوز عنه، كالأكل في نهار رمضان، والعمل في الصلاة، ولبس المخيط في الإحرام ونحو ذلك، وما لا يباح بالإكراه، فهو مؤاخذ به، كقتل المعصوم، وإتلاف ماله .

والفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه ؛ أن الأفعال إذا وقعت، لم ترتفع مفسدتها، بل مفسدتها معها بخلاف الأقوال، فإنها يمكن إلغاؤها. وجعلها بمنزلة أقوال النائم والمجنون، فمفسدة الفعل الذي لا يباح بالإكراه ثابتة بخلاف مفسدة القول، فإنها إنما تثبت إذا كان قائله عالماً به مختاراً له ] (5).


(1) انظر : البحر الرائق 3/263 ، المبسوط 24/106 ، المجموع شرح المهذب 17/100 ، إعانة الطالبين 4/5 ، روضة الطالبين 8/54 ، حاشية الروض المربع 6/490 .

(2) أخرجه أبو داود باب الطلاق على الهزل ح2196-2/225 وحسنه الألباني ، والترمذي باب الجد والهزل في الطلاق ح1184-3/490 وقال: هذا حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي e وغيرهم ، وابن ماجة باب من طلق أو نكح أو راجع لاعباً ح2039-1/658 ، والدارقطني باب المهر ح45-3/256 ، وحسنه الألباني في إرواء الغليل ح1826-6/224.

(3) انظر : البحر الرائق 3/264 ، تبيين الحقائق 2/195 ، شرح فتح القدير 3/488 ،  حاشية إعانة الطالبين 4/9 ، المجموع شرح المهذب 17/65

، حاشية الروض المربع 6/489 ، الإقناع في فقه الإمام أحمد 4/4 .

(4) أخرجه ابن حبان في صحيحه باب فضل الأمة ح7219-16/202 قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط البخاري  ، وابن ماجة باب طلاق المكره والناسي ح2045-1/659 ، والدارقطني ك النذور ح33-4/170 ، وصححه الألباني في مختصر إرواء الغليل ح82-1/17 .

(5) انظر زاد المعاد 5/206 باختصار يسير .